( منشور بجريدة الشرق القطرية عدد الأربعاء 29/9/2010 م )
علاقتي بالقهوة بدأت بعد الجامعة بعدة سنوات ، كنت أقترب من الثلاثين ، ولم أكن مدمنا على أي شيء بعد ، اللهم إلا الشعر !
إصابتي بالتهاب جيوب أنفية مزمن ، وذلك ناتج عن عيب خلقي لا دخل لي فيه ، سببت لي صداعاً مزمناً يخترق رأسي حتى يكاد يفتتها من الألم ، ولأنني لا أحب الأدوية بدأت أتعاطى القهوة (التركية) بالذات ، وقد كان لها مفعولاً قوياً في مواجهة الصداع ، لذلك صبرت على طعم القهوة المر وكأنني أتعاطي دواءً ، ومع مرور الوقت ... عشقت القهوة !
شربت آلاف الفناجين ، وأصبحت خبيراً في أنواع البن ، وفي أنواع القهوة في دول العالم ، ودائماً حين أسافر لأي مكان أحرص على شرب القهوة (المحلية) في أي بلد أزوره ، ودائما قهوتي المفضلة ... التركية !
وبرغم آلاف الفناجين ، هناك ثلاثة فناجين لا أنساها ما حييت ! ا
لفنجان الأول : كان في عام 1994 ، دعاني له أستاذي الكريم أبو الطيب د. أحمد صدقي الدجاني رحمه الله . كانت القهوة متقنة الصنع ، صنعتها زوجته الفاضلة السيدة أم الطيب حفظها الله ، وقد دعاني لهذا الفنجان بعد أن التقيته صدفة في مطار القاهرة ، فسلمت عليه ، وأبديت إعجابي ببعض آرائه ، فدعاني فورا لمواصلة الحوار في أي وقت لاحق في منزله ، وقد كان .
هذا الفنجان ظللت أشربه بشكل مستمر حتى رحل عن عالمنا في آخر عام 2003 لقد تضاعفت ثقافتي عدة مرات خلال هذا الفنجان الذي استمتعت به عقداً كاملاً من عمري !
تغيرت نظرتي للتاريخ والحاضر والمستقبل والإنسان والشعر والدين واللغة ، ولم أكن أتخيل أن يكون أعز أصدقائي يكبرني بما يزيد عن ثلاثين سنة ، ولم أكن أتخيل أن هذا الفنجان من القهوة التركية المعد بالطريقة الفلسطينية سيبقى طعمه في حلقي إلى الأبد ، ولم أكن أتخيل أن طعم القهوة يمكن أن يظهر في الكتابة !
الفنجان الثاني : كنت مجبراً على شربه ، ولم يكن مقصوداً لذاته .
كان ذلك في عام 2004 م ، إذ طلبني مسؤول كبير في أحد أجهزة المخابرات عن طريق أحد الأصدقاء من السياسيين الكبار ، وحين سألت : "ماذا يريد مني هذا المسؤول ؟" كانت الإجابة الجاهزة : " أبدا ... إنه يريدك على فنجان قهوة ، لا أكثر !
" إذا لم أذهب ، سأصنف على أنني أنتمي لتيار لا أحب أن أصنف ضمن المنتمين إليه ، لذلك ذهبت ، وشربت فنجانين ، وكان بناً فاخراً جداً ، وامتد اللقاء لثلاث ساعات تقريباً . موضوعات الحوار – أثناء شرب الفنجانين – كانت متعددة ، فبدأت من فريق كرة القدم الذي أشجعه ، وصولا إلى ... قصائدي السياسية وديواني الأخير (حينئذ) ، "في صحة الوطن" !
كان لقاء يهدف إلى "التعارف" ، وكان لا بد منه ، لكي يتم "تضبيط" ملفي !
كنت صريحاً ، وكان صدره رحباً لأنه مضطر لذلك !
أما القهوة ... فلا أستطيع سوى أن أصفها بأنها شكل لا روح فيه ، وهكذا دائماً يكون فنجان القهوة الذي يستدعيك إليه ضابط ما !
عند انصرافي .... قال لي " هل سنراك مرة أخرى ؟ " قلت له : " لا ... " قال : " ألم تعجبك قهوتنا ؟ " أجبته : " المشكلة في السكر !" ضحك ضحكة صفراء ... وانصرفت . وحين دعيت (أو استدعيت) لفناجين أخرى رفضت ، فالتعارف قد تم ، والقهوة بعد ذلك لا معنى لها . من يريدني فليأت هو إلي أو فليعتقلني !
الفنجان الثالث : شربته في عزاء أستاذي د. أحمد صدقي الدجاني في مساء يوم 31/12/2003 م .
كان مراً ، " سادة " بلا سكر ، بارداً ... كنت مضطراً لشرب ما هو متاح من شدة الصداع .
ألم فراق أستاذي ، وسهري من أجل إتمام قصيدتي في رثائه وعنوانها "لحظة ممتدة" منعاني من النوم ، وربما من الأكل ، مما تسبب في صداع يفلق الحجر كعين الحسود !
شربت فنجانين وربما أكثر ، ولم أشعر بمرارة القهوة نظراً لمرارة في حنايا الروح أشد من مرارة القهوة بكثير .
بعد انتهاء العزاء ... تغير طعم القهوة في حلقي إلى الأبد ... أو ... تغير طعم الحياة كلها ... لا أدري ...!
عبدالرحمن يوسف