جديد الشاعر : قصيدة "المُحَاصَر"

المُحَاصَر
"رثاء شهيد الأمة أبي إبراهيم يحيى السّنوار"


بَكَى الشِّعْرُ كَالأَطْفَالِ في الطُّرُقَـــــــاتِ              يُفَتِّشُ عَنْ سَلْوَاهُ في الكَلِمَــــــــــــاتِ

نَجِيعٌ يَزُفُّ النَّصْرَ حينَ مَسِيلِـــــــــــــهِ               كَنُورٍ يُزِيحُ الخَوْفَ في الظُّلُمَـــــــاتِ

يَعِزُّ على شِعْرِي الرِّثَاءُ لِمِثْلِــــــــــــــهِ               وتَقْصُرُ عَنْ هَذَا المَقَامِ عِظَــــــــــاتي

فَتًى مَالَتِ الدُّنْيَا ومَا زَالَ قَائِمـــــــــــــًا               يُسَطِّرُ فيها أَعْظَمَ الغَـــــــــــــــزَوَاتِ

فَلَيْسَ بِهَيَّابٍ إذا اهْتَزَّتِ القَنَــــــــــــــــا               ولَيْسَ بِمِقْدَامٍ لَدَى الحُرُمَــــــــــــــاتِ

قَضَى في سُجُونِ الظُّلْمِ زَهْرَةَ عُمْـــــرِهِ              ومَا زَالَ يَفْدِي الأَرْضَ في الأَزَمَـاتِ

وتَفْديهِ عِنْدَ الطَّعْنِ غَزَّةُ هَاشِــــــــــــــمٍ               وكَمْ بَاتَ يَفْدِيهَا مِنَ الكُرُبَـــــــــــــاتِ

بِغَزَّةَ شَعْبٌ إِنْ أَرَدْتَ صِفَاتِـــــــــــــــهِ               تَلَوْتَ مِنَ الأَنْفَالِ والحُجُـــــــــــــرَاتِ

كِرَامٌ لَهُمْ عِنْدَ اللِّئَامِ ضَغَائِـــــــــــــــــنٌ               تُرَوِّجُهَا بالزُّورِ والشُّبُهَــــــــــــــــاتِ

ويَطْعَنُ فيهِمْ كُلُّ تِلْفَازِ فَاجِــــــــــــــــرٍ               يَبُثُّ سُمُومَ الحِقْدِ في النَّشَـــــــــــرَاتِ

هُمُ الصَّبْرُ، والإِقْدَامُ، رُغْمَ مُصَابِهِـــــمْ               هُمُ البَأْسُ مَمْزُوجًا بِطِيبِ صِفَــــــاتِ

ومَا عُرِفُوا – رَغْمَ الخُطُوبِ تَلُفُّهُـــمْ –              بِقَسْوَةِ قَلْبٍ.. أو بِلِينِ قَنَـــــــــــــــاةِ !

*    *    *

بِنَفْسِي فَتًى لَمْ يَهْزِمِ الخَوْفُ قَلْبَــــــــــهُ               ومَا زَالَ مِقْدَامًا لَدَى الغَمَـــــــــرَاتِ

يَظُنُّونَ في الأَنْفَاقِ كَانَ مُقَامُــــــــــــــهُ               ومَا زَالَ مَزْرُوعًا على الجَبَهَــــــاتِ

قَدِ اخْتَارَ هَذَا المَوْتَ مُنْذُ طُفُولَـــــــــــةٍ               تَكَبَّدَهَا في غُرْبَةٍ وشَتَـــــــــــــــــاتِ

مُسَيَّرَةٌ في وَجْهِ لَيْثٍ مُخَيَّـــــــــــــــــــرٍ              تَسَاوَى لَدَيْهِ عَيْشُهُ بِمَمَـــــــــــــــاتِ

مُسَيَّرَةٌ كَالضَّبْعِ يُقْدِمُ وَاجِـــــــــــــــــلًا                ويُدْبِرُ خَوْفَ اللَّيْثِ ذِي العَبَسَــــــاتِ

يُسَيِّرُهَا بالزَّجْرَ رَغْمَ لِثَامِــــــــــــــــــهِ               وكَمْ هَرَبَتْ أعْدَاهُ مِنْ زَجَـــــــــرَاتِ



يُوَاجِهُهَا فَرْدًا، ويَأْمُرُ جِسْمَــــــــــــــــهُ               ويَخْذُلُهُ ذَا الجِسْمُ في العَزَمَـــــــــاتِ

فَيَجْمَعُ عَزْمَ الكَوْنِ في جَوْفِ قَلْبِــــــــهِ               ويُلْقِي عَصًا أَمْسَتْ شِعَارَ ثَبَــــــــاتِ

كَأَنَّكَ شَعْبٌ كَامِلٌ يَقْذِفُ العَصَــــــــــــا               يُسَطِّرُ فَرْدًا خَالِدَ الصَّفَحَـــــــــــــاتِ

فَيَا أنْتَ.. يَا هَذَا المُحَاصَرُ.. كُلَّمَــــــــا               رَأَيْتُ عَصًا.. أَبْصَرْتُ طَوْقَ نَجَـــاةِ

كَأَنَّكَ أَوْطَانُ العُرُوبَةِ حُوصِــــــــــرَتْ               بِجُنْدِ غُزَاةٍ، أو بِجَـــــــــــــــوْرِ وُلاةِ

رَأَيْنَاكَ في هَذَا الحِصَارِ كَأُمَّــــــــــــــةٍ               تُقَاوِمُ والأَيَّامُ لَيْسَ تُوَاتِــــــــــــــــــي

حِصَارُ أَعَادٍ، بَلْ حِصَارَاتُ إِخْـــــــوَةٍ،               ولُؤْمُ حَلِيفٍ، واقْتِدَارُ غُـــــــــــــــزَاةِ

مَحَابيسُ في أَعْلامِنِا وحُدُودِنَــــــــــــــا               مَحَابيسُ في يَأْسٍ ومُعْتَقَـــــــــــــدَاتِ

مَلايينُ حُجَّاجٍ رَأَيْتُ دُعَاءَهَــــــــــــــمْ                يُحَاصَرُهُ الأنْذَالُ في عَرَفَـــــــــــــاتِ

يُحَاصِرُنَا جُنْدٌ لَهُمْ نَفْسُ شَكْلِنَـــــــــــــا                وأَسْيَافُنَا مَثْلُومَةُ الشَّفَــــــــــــــــــرَاتِ

يُحَاصَرُنَا جُنْدُ العُرُوبَةِ كُلّـُهُــــــــــــــمْ               وكُلُّ جُيُوشِ الكُفْرِ مُجْتَمِعَـــــــــــــاتِ

جُيُوشٌ مَعَ الأَعْدَاءِ تَبْدُو ذَليلَـــــــــــــةً                كَذِلَّةِ شِيعِيٍ على العَتَبَـــــــــــــــــــاتِ

فَلا يَعْرِفُونَ البَأْسَ إلا بِوَجْهِنَـــــــــــــا                ومَا أَقْدَمُوا إلا عَلى حُرُمَاتِـــــــــــــي

*    *    *

سَلِمْتَ بِكُرْسِيٍّ مِنَ العِزِّ شَامِخـــــــــــًا               وكُلُّ كَرَاسِي المُلْكِ مِثْلُ فُتَــــــــــــاتِ

سَلِمْتَ بِصَدْرٍ لَيْسَ يُبْغِضُ مُؤْمِنـــــــــًا               وظَهْرُكَ لَمْ يَسْلَمْ مِنَ الطَّعَنَـــــــــــاتِ

سَلِمْتَ بِرُوحٍ مَا ارْتَضَتْ يَوْمَ ذِلَّــــــــةٍ               وجِسْمُكَ لَمْ يَسْلَمْ مِنَ الطَّلَقَــــــــــــاتِ

فَوَاجَهْتَ صَارُوخًا بِجَبْهَةِ سَاجِـــــــــــدٍ               وكَمْ أَسْجَدَ الصَّارُوخُ مِنْ جَبَهَـــــــاتِ

مَلامَكَ.. لا أَرْضٌ تَعُودُ لِأَهْلِهَــــــــــــا               بِذَرْفِ دُمُوعٍ، أو بِمُؤْتَمَــــــــــــــراتِ

*    *    *



سَتُفْطِرُ يَا صَوَّامُ في جَنَّةِ العُــــــــــلا                 جِوَارَ رَسُولِ اللهِ في الغُرُفَـــــــــــاتِ

قَدِ انْطَلَقَ الطُّوفَانُ لَيْسَ بِعَابِـــــــــــئٍ                 بِخَطِّ حُدُودٍ أو بِبَطْشِ طُغَــــــــــــــاةِ

فَيَا سَيِّدَ الطُّوفَانِ بَشَّرْتَ شَعْبَنَـــــــــــا                 بِنَصْرٍ وإِنْ طَالَ الزَّمَـــــــــــانُ لَآتِ

لَعَمْرُكَ إِنَّ الخُلْدَ يُفْتَحُ بَابُـــــــــــــــــهُ                 بِعِزِّ مَمَاتٍ.. لا بِذُلِّ حَيَـــــــــــــــاةِ !


شعر: عبدالرحمن يوسف

إسطنبول – الدوحة – لندن
نوفمبر 2024


المقال السابق

بيان فلسطين عربية مايو 2021

المقال التالي

منظمة العفو الدولية تتحدث عن زيادة المخاوف بشأن سلامة الشاعر